المسألة المطروحة على بساط البحث في ولاية الاب هي : هل ان اجازة الاب شرط في صحة زواج البكر ام لا؟
هنالك جملة مفاهيم مسلّمة من وجهة النظر الاسلامية علينا معرفتها اولا:
1- يستقل الابن والبنت بشكل كامل من الزاوية الاقتصادية . فكل منهما يحق له الاحتفاظ بماله،
ويتمتع بسلطة كاملة عليه ، بشرط ان يبلغ ويرشد، يعني: ان يتمتع بالقدرة السليمة على التصرف الاجتماعي العاقل ،
وليس للاب او الام ، او اي شخص آخر حق الاشراف والتصرف .
2-المفهوم الاسلامي الثابت الآخر يتعلق بأمر الزواج. فالفتى العاقل بعد بلوغه سن الرشد يتمتع بكامل الاهلية ،
وليس لاحد ان يمارس تدخلا قسريا في اختياره.
اما البنات : فالبنت الثيب تناظر الراشد في تمتعها بالاهلية الكاملة . الا ان البحث وقع في الباكر التي ترغب في الزواج من شخص ما .
ليس هناك شك في ان الاب ليس صاحب القرار النهائي بشأن زواج ابنته ، بحيث يمكنه ان يزوجها دون رضاها ورغبتها.
وبأي شخص شاء ، غير ان الخلاف الفقهي وقع حول هذا الاستفهام:
هل ان الباكر الرشيدة لا يمكنها ان تتزوج بمن تشاء دون ان تكسب رضا ابيها ، ام ان رضا ابيها ليس بشرط على الاطلاق في صحة زواجها؟
قبل الاجابة على هذا الاستفهام ، نشير الى مفهوم اسلامي ثابت في هذا المجال، وهو:
ان ولاية الاب وحقه في تزويج بناته يسلبها التشريع الاسلامي في حال امتناعه عن التزويج دون سبب وجيه.
وتتمتع البنت في هذه الحالة –باتفاق فقهاء الاسلام- بالاختيار الكامل في الزواج ممن تشاء.
نعود للاستفهام الاول ، لنشير الى ان هناك اختلاف بين الفقهاء حول المسألة ، ولعل اكثرية الفقهاء وخصوصا المتأخرين منهم
لا يذهبون الى اشتراط موافقة الاب في صحة زواج البنت ، غير ان عددا آخر منهم يعتبرونها شرطا .
وقد تابع القانون المدني الاتجاه الفقهي الثاني ، الذي ينسجم رأيه مع قاعدة الاحتياط.
وحيث ان هذه المسألة ليست بمسلمة اسلامية عامة ، فسوف لن نتناولها بالبحث والتداول ،
ولكن سوف نتعرض للجانب الاجتماعي في هذا المجال ، واشير الى ان وجهة نظري الشخصية
تذهب الى ان القانون المدني قد اختار الاتجاه السليم وهو اشتراط موافقة الاب.
يحظر التشريع الاسلامي زواج الباكر الرشيدة دون موافقة ابيها ، او على الاقل انه يحض على كسب موافقة الاب،
ولايعود هذا الموقف الى كون التشريع لا يجد للبنت اهلية ويرى انها اقل رشدا اجتماعيا من الرجل .
والشاهد على ذلك ان الموقف التشريعي الآنف الذكر لو ارتكز على فلسفة قصور المرأة ،
اذن ما الفرق بين الثيب التي تبلغ من العمر (16) عاما، والباكر التي تبلغ من العمر الثامنة عشرة ،
فيسمح الشرع للاولى بالزواج دون اشتراط اذن ابيها ، ولم يسمح للثانية بذلك؟!
ويعزز ما نذهب اليه ايضا ، ان الموقف الآنف لو عاد الى ان التشريع لا يرى في المرأة اهلية ورشدا ،
فكيف منح التشريع المرأة استقلالا اقتصاديا ، واباح لها ان تجري الصفقات المليونية ، دون اشتراط اذن الاب او الزوج؟
ان للموقف التشريعي المتقدم فلسفة وحكمة اخرى . ومع غض النظر عن الادلة الفقهية
على الموقف لا يمكننا المرور العابر على تلك الفلسفة والحكمة التي تدعم هذا الموقف.
لا يرجع هذا الموقف لقصور المرأة وعدم رشدها العقلي والفكري ...
بل يرتبط بالجانب النفسي لشخصية الرجل والمرأة . نعم، يرتبط بسلوك الرجل الطامح لاستغلال المرأة من جهة ،
كما يرتبط من جهة اخرى لسرعة تصديق المرأة بوفاء الرجل واخلاصه.
فسلوك الرجل تغلب عليه نزعة الشهوة ، بينما يغلب عنصر الحب على سلوك المرأة . فالذي يهز الرجل ويزعزعه انما هو الشهوة ،
بينما تزداد المرأة –باعتراف علماء النفس- صبرا واستقامة امام شهوة الغريزة ، غير ان الامر الذي يهز المرأة ويأسرها ،
انما هو الصوت الذي ينطلق من حنجرة الرجل ، والذي يحمل كلمة الحب والوفاء والعشق والصفاء ، وهنا تكمن سرعة تصديق المرأة .
فالمرأة تسرع لتصديق كلمة الحب الصادرة من الرجل ، مادامت باكرا ومادامت لم تدخل مع الرجل في زواج مباشر.
يقول البروفيسور (ريك) عالم النفس الامريكي :
(ان افضل جملة يمكن ان يقولها رجل لامرأة هي : عزيزتي ، انا احبك)
ويقول ايضا :
(ان سعادة امرأة ما ، تعني امتلاكها لقلب رجل ، والاحتفاظ بحبه حتى نهاية العمر)
وقد اوضح رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ، ذلك العالم النفسي الالهي هذه الحقيقة قبل اكثر من اربعة عشر قرنا ، يقول (ص) :
(قول الرجل للمرأة أحبك ، لا يذهب من قلبها ابدا).
لقد سعى الرجال المستغلون لاستثمار هذا الحس الانثوي على الدوام،
وقد كانت شبكة (عزيزتي ، ان حبك يكاد يقتلني) افضل الشباك التي يستخدمها الرجال
لاصطياد الفتيات اللواتي لم يدخلن مع الرجال في تجربة.
هناك حكاية لاحدى السيدات كانت تريد ان تنتحر بسبب ظلم زوجها ، حتى انتهت قصتها الى المحاكم.
وقد استغل الرجل هذه السيدة على اساس ما اشرنا اليه منذ قليل .
تقول هذه السيدة ( رغم انني لم اتحدث معه ، الا انني اشتاق للحديث معه في كل يوم ،
وفي كل ساعة ، لا زلت غير عاشقة له، الا انني كنت بحاجة الى ما يبرزه من حب،
فالنساء جميعا على هذا المنوال، فقبل ان يدخلن في علاقة حب ، يعشقن من يحب ،
وعلى الدوام تعشق الفتيات بعد حصولهن على العاشق، وانا لست على خلاف هذا المنوال)
لقد كانت هذه السيدة ثيبا فكيف الحال بالباكر من النساء؟!
من هنا تحتم على الآنسات – اللواتي لم يخبرن الرجال بعد- ان يشاورن آباءهن ويكسبن موافقتهم ،
حيث ان الاب اكثر وعيا لنفسية واحساسات الرجال، وهم في الاعم الاغلب يتوخون مصلحة وسعادة فتياتهم .
اذن لم يهن القانون المدني ولا التشريعي المرأة على الاطلاق ، بل وضع يد الحماية على كتفها .
واني لاعجب حقيقة من اولئك الذين يشاهدون ويسمعون كل يوم قصصا من قبيل قصة هذه السيدة وامثالها ،
ثم يأتون الى وصية الآنسات بالتمرد على أوليائهن ! ان هذه الفعال -من وجهة نظري- تمثل اتفاقية
بين مدعي حماية المرأة وصياديها ومستغليها في عالمنا المعاصر، فلكي يحصل هؤلاء على فريستهم ،
يهيئون شباكهم لينصبوها في طريق المرأة.
مستفاد من فكر الشهيد مطهري والعلامة الطباطبائي
بالتوفيق جميعا